الجزء الأول
المقدمة: الكرد والتحالفات التي تنتهي بالتخلي عنهم
يُشار أحيانًا كثيرة إلى أن الكورد غالبًا ما يتعاونون أو يتحالفون مع أطراف، وما إن تصل تلك الأطراف إلى أهدافها حتى تتخلى عن الكورد وتتركهم ضحايا المستعمر من شركاء الدين والتاريخ والجغرافية.
وهذه السردية صحيحة في أحيان كثيرة، ولكن هل إن الكورد هم السبب الوحيد وراء ذلك؟
المحور الأول: نشأة الدول المستحدثة والمصالح الاستعمارية
المعروف أن الدول القائمة حاليًا هي دول مستحدثة أنشأتها ورسمت خرائطها دول استعمارية، وأهمها بريطانيا وفرنسا، فيما يُعرف باتفاقات سايكس – پيكو، نسبة إلى أسماء المسؤولين البريطاني والفرنسي. وبموجب هذه الاتفاقيات وما سبقها وصاحبها أو تلاها، رُسمت الحدود والخرائط لدول مستحدثة، لكنها بُنيت على نفس الأسس، والتي يمكن اختصارها في أنها يجب أن تراعي بالأساس مصلحة المستعمر، وهذه المصلحة واستمرارها يستوجبان زرع بذور الضعف والتمزق، بل والاحتراب على كيلومترات هنا وهناك، ويكاد يكون من الصعب جدًا إيجاد دول متجاورة ليس بينها مشاكل حدودية.
الأساس الآخر لصناعة هذه الدول هو إبقاء هذه الدول بحاجة مستمرة إلى الحماية، إما من شعوبها أو من دول الجوار المتربصة ببعضها، مع إبقاء وتشجيع هذه الخلافات عن طريق التلاعب بالنظام السياسي الإقليمي وتشجيع حالة الحرب التي غالبًا ما تنتهي (لا غالب ولا مغلوب)، وهذا ما كانت تردده أمريكا أثناء الحرب العراقية – الإيرانية مثلًا، والتي طحنت البلدين، وكانت أمريكا أثناءها تدعم طرفي الحرب بنسب مختلفة وبما يضمن استمرار حالة الحرب.
المحور الثاني: الحدود المصطنعة وخيبة الآمال العربية
هذه الخرائط والحدود المصطنعة، وإن أرضت عوائل وشخصيات كان لُعابها يسيل على الحكم والسلطة، إلا أن الحال لم يكن كذلك مع قطاعات واسعة من شعوب هذه الكيانات المستحدثة، والتي شعرت أنها خُدعت وتم التلاعب، وأن المخفي لا يتطابق مع المخفي والمُفعّل. وهنا استيقظ الشريف حسين على الخديعة الكبرى وحلم المملكة العربية التي كان يُفترض أن تشمل الجزيرة العربية أو أجزاء منها والهلال الخصيب، بل تم تقاسم هذه الجغرافية بين فرنسا وبريطانيا، مع نوايا واضحة لزرع الكيان الصهيوني في قلب هذه الجغرافية. ثم تبع ذلك أن طردت فرنسا ابنه فيصل من سوريا، فأسست بريطانيا مملكة جديدة من ولايتي بغداد والبصرة، ونصّبت فيصل ملكًا عليها عام ١٩٢١، أي عامًا بعد موافقة فيصل على الهجرة اليهودية إلى فلسطين وإقامة دولة أسماها (مملكتهم) على ثرى أولى قبلتي المسلمين.
المحور الثالث: الدول المستحدثة بوصفها مشاريع نفوذ واستغلال
إذًا، من خلال هذا الاستعراض البسيط، نخلص إلى حقيقة مؤلمة، وهي أن هذه الدول المستحدثة هي في جزء كبير منها شركات أجنبية ربحية ومناطق نفوذ دائمة، مع امتلاك ضوابط الشد والجذب (check and balance) لإبقاء حالة الاستفادة ومنع ظهور ما يمنع الاستغلال أو يوفر لشعوب هذه الأوطان امتلاك قرارها والاستفادة المطلقة من خيراتها وإمكانيات أوطانها.
المتتبع لسياسات الدول العظمى من تمكينها للعوائل والأنظمة الفئوية الحاكمة واستبدالها عن طريق الانقلابات العسكرية التي كانت ولا تزال سمة تبادل النفوذ والحكم في هذه الأوطان.
من يقرأ كتاب كوپلاند (لعبة الأمم) يصاب بالذهول من تلاعب وتغلغل أمريكا في المنطقة، وبريطانيا لم تكن أقل تدخلًا وتلاعبًا.
المحور الرابع: ترسيخ الكيانات السياسية وبناء أدوات حمايتها
وعليه، فإن دول المنطقة تكاد تكون بالإجمال مشاريع استعمارية لا فضل كبير للشعوب في إنشائها، ولكنها دخلت في حروب واحتراب للمحافظة على هذه المشاريع الاستعمارية، بل تجهد في ترسيخ هذه المشاريع وبناء هوية وطنية بناءً عليها، وتوسم بالخيانة، والويل والثبور لمن يشكك في مصداقيتها أو يحاول النيل منها.
على الجانب الآخر، أسست هذه الدول المتحكمة جيوشًا ألحقتها بهذه الكيانات الجديدة، بل ربما ذهبت أبعد من ذلك بإنشاء أجهزة استخبارات ومؤسسات أمنية وقمعية للمحافظة على هذه الكيانات، ونموذج إنشاء المخابرات المصرية لعبد الناصر معروف، وقصة ضخ الدعم المادي الأمريكي تحت غطاء بناء برج القاهرة أيضًا معروفة.
د. عبد الرزاق البرازي
المدير العام
المجلس الأوروبي الكردي

