بعد أكثر من ستة عقود على إحصاء الحسكة الاستثنائي لعام 1962، الذي أدى إلى تجريد أعداد كبيرة من الكرد السوريين من جنسيتهم، دخل ملف مكتومي القيد والأجانب مرحلة جديدة خلال عام 2026، مع بدء تنفيذ المرسوم رقم 13. إلا أن الانتقال من الاعتراف القانوني بالحق في الجنسية إلى الحصول الفعلي عليها ما زال يطرح مجموعة من الأسئلة المتعلقة بالإجراءات والوثائق وأوضاع آلاف المتضررين الموجودين خارج سوريا.
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية مع التقرير الذي نشرته منظمة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» في 5 أكتوبر/تشرين الأول، والذي يتابع تطبيق المرسوم حتى نهاية سبتمبر، ويوثق من خلال حالات فردية بعض الصعوبات الإدارية التي واجهها المتقدمون.
من أين بدأت القضية؟
تعود جذور المشكلة إلى الإحصاء الاستثنائي الذي أُجري في محافظة الحسكة عام 1962. ووفق وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، أدى الإحصاء إلى حرمان نحو 120 ألف كردي من الجنسية السورية في ذلك الوقت.
ونشأت نتيجة لذلك فئتان عُرفتا باسم «الأجانب» و**«مكتومي القيد»**. ولم تبق آثار انعدام الجنسية محصورة بالجيل الذي خضع للإحصاء، بل انتقلت إلى الأبناء، وارتبطت بقيود شديدة على عدد من الحقوق، من بينها التعليم والرعاية الصحية وملكية العقارات والمشاركة السياسية.
وفي عام 2011 صدر المرسوم رقم 49 الذي فتح المجال أمام فئة «الأجانب» للحصول على الجنسية، بينما بقي مكتومو القيد خارج نطاقه. وتشير بيانات أوردها تحقيق سابق لمنظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة ونقلها Syria Direct إلى أن مئات الآلاف حصلوا لاحقًا على الجنسية، لكن المشكلة لم تنته بالكامل.
ما الذي غيّره المرسوم رقم 13؟
صدر المرسوم رقم 13 في 16 يناير/كانون الثاني 2026، وألغى الإجراءات الاستثنائية الناجمة عن إحصاء الحسكة، وشمل هذه المرة السوريين من أصول كردية الذين كانوا مسجلين كعديمي الجنسية أو مكتومي القيد.
وفي فبراير/شباط، أصدرت وزارة الداخلية القرار التنفيذي رقم 144/م، الذي وضع آلية لتقديم الطلبات.
وتوضح وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أن الطلب يمكن تقديمه بصورة فردية أو عائلية، وأن الوثائق الأساسية تشمل وثيقة تعريف صادرة عن المختار وإثبات الإقامة والوجود في سوريا. ويمكن دعم الملف بوثائق أخرى مثل فواتير الخدمات أو الوثائق المدرسية المصدقة أو أدلة أخرى تقبلها الجهات المختصة.
إحدى المفارقات الأساسية التي ظهرت: الأشخاص الذين عاشوا لعقود خارج السجلات الرسمية يُطلب منهم اليوم تقديم وثائق لإثبات وجودهم ووضعهم القانوني.
قاضٍ وممثل عن الأحوال المدنية وممثل كردي
ومن التفاصيل التي تضيفها الوثائق الأوروبية أن دراسة الطلبات لا يفترض أن تتم من موظف واحد.
فبحسب EUAA، تُشكّل في كل مركز لجنة لمراجعة طلبات الجنسية، يرأسها قاضٍ بدرجة مستشار يعيّنه وزير العدل، وتضم ممثلًا عن الأحوال المدنية بصفته مقررًا، إضافة إلى ممثل عن المجتمع الكردي السوري يعيّنه المحافظ.
وقد أُنشئت مراكز لاستقبال الطلبات في دمشق وحلب والرقة ودير الزور والحسكة، ثم مُددت فترة استقبال الطلبات في مايو بسبب ارتفاع عدد المتقدمين.
من التسجيل إلى قرار التجنيس
تقدم المادة الميدانية التي أعدتها Syria Direct صورة أوضح لما يمر به المتقدم فعليًا.
فالعملية لا تنتهي بمجرد تسليم الأوراق، وإنما تمر بعدة مراحل: تقديم الطلب وتسجيله، ثم مقابلة أمام لجنة متخصصة للتحقق من المعلومات، ثم معالجة البيانات، وصولًا – في حال قبول الملف – إلى قرار التجنيس الصادر عن وزارة الداخلية.
ونقلت الصحيفة عن المدير العام للأحوال المدنية قوله إن من لا يملك وثيقة تعريف أو إثبات إقامة يمكنه تقديم أدلة مساندة، مثل تسجيل الأطفال في المدارس أو عداد كهرباء مسجل باسمه أو عقود بيع وشراء أو غيرها من الأدلة التي تثبت وجوده في الأراضي السورية.
عاصم.. 51 عامًا في انتظار أن يصبح مواطنًا
وراء الإجراءات القانونية توجد قصص بشرية امتدت لعقود.
يروي تقرير Syria Direct قصة عاصم عبد الله حمو، 51 عامًا، وهو كردي سوري من مكتومي القيد، توجه مع شقيقه إلى مركز التقديم في القامشلي حاملًا ما استطاع جمعه من وثائق.
وقدّم عاصم وثائقه إلى جانب بطاقتي زوجته ووالدته، وهما مواطنتان سوريتان، إضافة إلى بيان قيد فردي ومعلومات وصور أطفاله.
بالنسبة إليه، لا تعني الجنسية مجرد الحصول على بطاقة شخصية. الأسئلة التي طرحها في حديثه للصحيفة كانت أكثر بساطة وعمقًا: هل سيتمكن من إثبات أبنائه رسميًا؟ تسجيل زواجه؟ تسجيل منزله باسمه؟ وهل سيتمكن أبناؤه وأحفاده من متابعة تعليمهم؟
المشكلة التي تتجاوز حدود سوريا
لكن إحدى أكبر الثغرات العملية تظهر عندما يكون المستفيد المفترض خارج البلاد.
وتقدم حالة أخرى وردت في التحقيق مثالًا واضحًا. فقد كانت إحدى المتقدمات تنتظر وصول شقيقها من إقليم كردستان العراق، بينما يقيم أشقاء آخرون لها في تركيا وألمانيا، ولم تكن كيفية استكمال إجراءاتهم واضحة لها.
ووفق المسؤول السوري، يستطيع رب الأسرة إدراج الأبناء الغائبين في الطلب، لكن الغائب يستطيع تقديم طلب جديد عند عودته. في المقابل، طالبت المحامية آفين سعيد النعمة بإتاحة الإجراءات عبر السفارات والقنصليات، محذرة من أن ربط استكمال الإجراءات بالعودة إلى سوريا قد يخلق مشكلات للأشخاص المقيمين أو طالبي الحماية في الخارج.
وتعزز هذه المخاوف نتائج تقرير مشترك نشرته Synergy Association for Victims وشبكة ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة. واعتمد التقرير على 18 مقابلة مع مكتومي قيد وأفراد من أسرهم في مناطق مختلفة من الحسكة، بالإضافة إلى أشخاص موجودين خارج سوريا، بما في ذلك إقليم كردستان العراق وتركيا.
ومن توصيات التقرير إيجاد ترتيبات تسمح للسوريين المقيمين في الخارج باستكمال إجراءات التسجيل واستعادة الجنسية دون تعريضهم لأعباء أو مخاطر غير ضرورية.
الجنسية وحدها لا تمحو آثار ستة عقود
الحصول على الجنسية يعالج الوضع القانوني الحالي، لكنه لا يجيب تلقائيًا عن جميع المشكلات التي تراكمت خلال عقود من انعدام الجنسية: تسجيل الزواج والولادات، ملكية المنازل والأراضي، الدراسة، الوثائق الرسمية، التنقل وغيرها.
ولهذا يدعو تقرير Synergy إلى معالجة الآثار القانونية والمدنية المتراكمة لانعدام الجنسية، وليس الاكتفاء بإصدار وثيقة جديدة، كما يطالب بنشر تعليمات تنفيذية واضحة وإتاحة المعلومات المتعلقة بالإجراءات وآليات المراجعة بصورة منتظمة.
وتؤكد البيانات التي جمعتها وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أن عملية دراسة الطلبات وإصدار الوثائق كانت، وقت إعداد تقريرها في يوليو، ما تزال جارية وقد تستغرق عدة أشهر. ولذلك لا ينبغي استخدام تلك المعلومة وحدها لوصف الوضع الحالي في أكتوبر؛ التطورات الأحدث يجب أن تؤخذ من متابعة STJ والجهات المنفذة.
بين استعادة الجنسية واستعادة الحقوق
المرسوم رقم 13 يمثل انتقالًا مهمًا في التعامل القانوني مع ملف انعدام الجنسية لدى الكرد السوريين، ولا سيما لأنه شمل مكتومي القيد الذين لم يشملهم مرسوم عام 2011.
لكن التقارير الميدانية والحقوقية التي صدرت خلال الأشهر التالية تضع الاختبار الحقيقي في التنفيذ: مدى مرونة إثبات الهوية، وتوحيد الإجراءات بين المراكز، وإمكانية وصول الموجودين خارج البلاد إليها، وسرعة دراسة الملفات، ثم معالجة النتائج المدنية والقانونية التي خلفتها عقود من انعدام الجنسية.
وبذلك لم يعد السؤال فقط: هل سيحصل مكتومو القيد على الجنسية السورية؟
بل أيضًا: هل ستتمكن الجنسية المستعادة من إعادة الحقوق التي حُرموا منها طوال تلك العقود؟

