من ضاق صدره عن قومٍ، اتسعت فيه مساحة العصبية.
ومن عرف سعة الإسلام، رأى الشعوب أبوابًا إلى التعارف، ورأى اختلاف الألسن آية، ورأى تنوع الأمم ميدانًا للعدل.

والكرد في ذاكرة المسلمين سطرٌ مكتوب بمداد الوقائع، وحضورهم في تاريخ الأمة حضورُ فعلٍ وأثر.

عرفوا ميادين الحرب، ومجالس العلم، وشؤون الحكم، وتقلبات الدول، ووقفوا في مواضع صنعت من التاريخ منعطفاته الكبرى.

وحسبُ الذاكرة الإسلامية أن تستحضر صلاح الدين الأيوبي، حتى ترى كيف يسكن الكردي في وجدان الأمة من باب الفعل، وكيف يجتمع في رجل واحد نسبٌ كردي، وروحٌ إسلامية، وقضيةٌ تجاوزت حدود القبيلة واللسان.

وحكمة التاريخ تقول:
من خدم معنىً كبيرًا، كبر به المعنى.
ومن حبس نفسه في عِرقه، ضاق ولو اتسعت بلاده.

فالكردية انتماء، والإسلام أفق، والإنسان يسع في قلبه وطنًا وقومًا ودينًا ورسالة.

والبلاء يبدأ حين تتحول القومية من معرفة بالجذور إلى عبادة للجذور، وحين يتحول الدين من هداية للروح إلى سوط على ظهور الشعوب.

القومية حين تستقيم تصير ذاكرةً وكرامةً ولسانًا وحقًا.
وحين تطغى تصير عصبيةً تستبدل الحق بالدم، والعدل بالنسب، والأخلاق بالمفاخرة.

والتدين حين يصفو يصير رحمةً وعدلًا وميزانًا.
وحين تلبسه العصبية يصبح رايةً يرفعها المتعصب فوق خصوماته.

وقد جاءت رسالة الإسلام لترفع قيمة الإنسان بالتقوى والعمل، وتربط التفاضل بالخلق، وترد الكرامة إلى معناها الرباني، وفي هذا المعنى تتسع الدائرة للعربي والكردي والتركي والفارسي وسائر الشعوب.

فمن أراد الكردي مجردًا من لغته وذاكرته وقوميته، فقد طلب منه أن يدخل الدين بنصف قلب.

ومن أراد الكردي مفصولًا عن إسلامه، فقد طلب منه أن يقطع شجرة ضاربةً في أعماق تاريخه.

والحكمة تجمع ما فرّقته الأهواء.

الكردي يستطيع أن يقول: أنا كردي، وفي العبارة كرامة اللسان والتاريخ.
ويستطيع أن يقول: أنا مسلم، وفي العبارة سعة الرسالة والأمة.
وحين يجتمع المعنيان في قلب سليم، ينشأ انتماء أكثر نضجًا، وأبعد عن الاستعلاء، وأقرب إلى العدل.

فالهوية طبقات من المعنى، وليست قفصًا من حديد.

في الإنسان اسم أبيه، ولسان أمه، وذاكرة قومه، وأرض طفولته، وعقيدته، وتجربته، وموقفه من الحق. وكلما اتسع وعيه، أحسن ترتيب هذه الدوائر في قلبه.

والمصيبة حين يطلب صاحب القومية من الدين أن يغادر، أو يطلب صاحب الخطاب الديني من القومية أن تختفي.

كلا الطرفين يومئذٍ يقطع من الإنسان عضوًا ثم يطلب منه أن يمشي مستقيمًا.

والكرد عانوا في مراحل كثيرة من سياسات الصهر والإقصاء والتهميش، وكل جرح بقي بلا عدل وجد في الذاكرة موضعًا، وكل مظلمة تراكمت صنعت خطابًا، وكل خطاب وجد من يغذيه بالمرارة صار وقودًا للانقسام.

ولهذا يبدأ العلاج من العدل.

فالعدل يطفئ نارًا تعجز عنها الخطب.
والكرامة تجمع قلبًا بددته الشعارات.
والحق حين يصل إلى صاحبه يرد إليه شيئًا من الطمأنينة.

وفي المقابل، تصنع العصبية الكردية جرحًا جديدًا حين تجعل الألم القديم مبررًا للاستعلاء، أو حين تقيس الناس بأعراقهم، أو حين تحول مظلومية قوم إلى عقيدة تفوق.

المظلوم يحتاج إلى حقه، ويحتاج أيضًا إلى ميزان يحفظه من التشبه بظالمه.

فكم من مظلوم طال به الطريق حتى لبس ثوب خصمه، وكم من صاحب قضية عادلة أفسد عدلها حين أدخل فيها الكبر.

والإسلام يرد النفس في كل مرة إلى أصل واحد:
أكرمكم عند الله أتقاكم.(الحجرات/13)

وهذه الكلمة تهدم أصنام الأعراق في القلب.

تهدم صنم العربي حين يستعلي بعروبته.
وتهدم صنم الكردي حين يستعلي بكرديته.
وتهدم صنم التركي والفارسي وكل من جعل الدم ميزانًا للفضل.

فالعرق يُعرّف الإنسان، والأخلاق تزن الإنسان.

ومن جعل نسبه حجةً على الناس، كشف عن فقر في المعنى؛ لأن صاحب المعنى يستغني بعمله عن ضجيج نسبه.

تظهر عظمة الرؤية الإسلامية حين تُفهم في صفائها:
العربي يبقى عربيًا.
والكردي يبقى كرديًا.
والتركي يبقى تركيًا.
والفارسي يبقى فارسيًا.
ثم يدخل الجميع تحت ميزان أرفع من الأنساب، وأبقى من الدول، وأعدل من العصبيات.

فالرسالة تجمع، والعدل يحفظ، والتقوى ترفع، والرحمة تهذب.

ولهذا فكل خطاب ديني يجعل الكردي متهمًا بسبب قوميته يحمل في داخله عجزًا عن فهم سعة الإسلام.

وكل خطاب قومي يجعل الإسلام خصمًا للهوية الكردية يحمل في داخله قراءة مبتورة للتاريخ.

بين الكرد والإسلام قرون من التداخل، ودماء سالت في ساحات واحدة، وعلماء خرجوا من بيئات كردية وخدموا علوم الشريعة واللغة والتصوف والفكر، ودول وقوى تشكلت في فضاء حضاري إسلامي واسع.

والتاريخ شاهد ثقيل، ومن حاول اقتلاعه من الذاكرة جرح الذاكرة أكثر مما غيّر الحقيقة.

نحتاج اليوم إلى خطاب يحرر الكردي من عقدة الدفاع الدائم عن وجوده، ويحرر الإسلامي من وهم أن وحدة الأمة تحتاج إلى نسخة بشرية واحدة.

فالأمة حديقة، وقوتها في حسن رعاية اختلافها.

وحين يفهم العربي أن كرامة الكردي تزيد الأمة قوة، وحين يفهم الكردي أن انتماءه الإسلامي يوسع قضيته أخلاقًا ومعنى، يخرج الجميع من ضيق الخصومة إلى فسحة الشراكة.

والشراكة تحتاج إلى كلمة حق.

حق الكرد في لغتهم.
حقهم في ثقافتهم.
حقهم في كرامتهم.
حقهم في التعبير عن ذاكرتهم ومظالمهم.
حق سائر الشعوب في الكرامة نفسها.

فالحق إذا صار خاصًا بقوم تحول امتيازًا.
وحين يصير شاملًا للناس أصبح عدلًا.

والدين الذي يربيك على العدل يوسعك حتى تسع خصمك.

والقومية التي تهذبها الأخلاق تجعلك تحب قومك من غير أن تحتقر سواهم.

ومن جمع بين حب قومه وعدل قلبه، حمل قوميته بأدب.
ومن جمع بين إيمانه ورحمة صدره، حمل دينه بنور.

وأما التعصب، فيبدأ من كلمة صغيرة في النفس: نحن خير منهم.
ومن هذه الكلمة خرجت حروب، وسقطت مدن، وتوارث الأبناء أحقاد آبائهم.

فطوبى لقلب خرج من ضيق «نحن وهم» إلى سعة «الناس والعدل».

الكرد في هذه الأمة أهل تاريخ، وأهل مشاركة، وأهل جرح، وأهل حق.

والمسلم الذي يرى في كرامتهم جزءًا من كرامة الأمة قد فهم شيئًا من معنى الأخوة.

والكردي الذي يرى في الإسلام فضاءً روحيًا وحضاريًا واسعًا، ويضع قوميته في ميزان العدل، قد حفظ هويته من التحول إلى صنم.

فالهوية إذا عبدها الإنسان أعمته.
وإذا عرفها وسيلةً لمعرفة نفسه خدمته.

والدين إذا حمله الإنسان بروح الرحمة زكّاه.
وإذا حمله بروح العصبية صار خصومةً في ثوب قداسة.

وغاية الأمر أن نخرج من عبادة الاسم إلى شرف المعنى.

فالكردية اسمٌ يكتمل بالعدل.
والإسلام اسمٌ يكتمل بالأخلاق.
والإنسان يسمو حين يحمل الاثنين بقلب واسع.

ومن اتسع قلبه للحق، اتسع للناس.

ومن اتسع للناس، عرف أن الله خلقهم شعوبًا وقبائل لحكمة.

وحين تُفهم الحكمة، يسقط الاستعلاء، ويقوم العدل، وتصير الأمة أوسع من أعراقها، وأرحب من خصوماتها، وأقدر على حمل تاريخها إلى مستقبل يليق بها.

د. علاء الدين آل رشي

مدير المركز التعليمي لحقوق الإنسان/ألمانيا